السيد علي الطباطبائي
488
رياض المسائل ( ط . ق )
التقى الفئتان لا يجوز الفرار من الحرب إذا كان العدو على الضعف من المسلم أي قدره مرتين أو أقل بلا خلاف في الجملة للجملتين كالمائة والمائتين والألف والألفين على الظاهر المصرح به في التنقيح للآيات منها إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ومنها إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وعد من الكبائر في جملة من الأخبار وفي انسحاب الحكم للآحاد بمعنى وجوب ثبات الواحد للاثنين فيحرم فراره منهما أم لا قولان أحوطهما ذلك للنص إلا المتحرف لقتال أي منتقل إلى حالة أمكن من حالته التي هو عليها كاستدبار الشمس وتسوية اللأمة وورود الماء وطلب السعة أو متحيزا أي منضما إلى فئة ليستنجد بها في المعونة على القتال قليلة كانت أو كثيرة مع صلاحيتها له وكونها غير بعيدة على وجه يخرج عن كونه مقاتلا عادة فلا حرمة في الصورتين لما عرفت من نص الآية الشريفة والحكم بالحرمة في غيرهما مطلق ولو غلب على الظن العطب والهلاك على الأظهر وفاقا لأكثر الأصحاب عملا بما مر من إطلاق الكتاب والتفاتا إلى جواز كذب ظنه لقوله تعالى فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ خلافا للمختلف وغيره فقيداه بغير صورة غلبة الظن عملا بقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ولما فيه من حفظ النفس الواجب دائما وإمكان تحصيل مقصود الجهاد بعد ذلك قال في المختلف بعد ذلك ووجوب الثبات لا ينافي ما قلنا فإن المطلوب يصدق في أي جزء كان ويضعف بأن إلقاء النفس إلى التهلكة الموجب لعدم حفظ النفس الواجب وللتعزير منها ليس منافيا للجهاد بل مقصود فيه والمتبادر من الثبات المطلق عدم الفرار مطلقا كما نصت عليه الآية الأولى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ واحترز بالشرط عما لو كان العدو أكثر من الضعف فإنه لو فر حينئذ جاز إجماعا كما في التحرير والمنتهى وفيهما ولو غلب على ظن المسلمين الظفر استحب لهم الثبات لما فيه من المصلحة ولا يجب قال في المنتهى لأنهم لا يؤمنون العطب ولأن الحكم بجواز الفرار علق على مظنته وهو كون المسلمين أقل من ضعف العدو ولهذا لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف ولو غلب على ظنهم الهلاك ثم إن إطلاق النص والفتوى بتحريم الفرار يعم صورتي الاختيار والاضطرار خلافا لشيخنا في المسالك والروضة فقيده بحال الاختيار قال وأما المضطر كمن مرض أو فقد سلاحه فإنه يجوز له الانصراف ولعله لفقد شرط وجوب الجهاد لما مر من اشتراطه بالسلامة من المرض ولعله أيضا مراد الأصحاب وإنما تركوه اتكالا على ما قدموه في بحث الشروط [ يجوز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح ] ويجوز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح كهدم الحصون ورمي المناجيق والتحريق بالنار وقطع الأشجار وإرسال الماء ومنعه عنهم ونحو ذلك مع الضرورة وتوقف الفتح عليه وعدمها وإن كره بعضها بدونها ولا يضمن ما يتلف بذلك للمسلمين الذين بينهم بلا خلاف في شيء من ذلك يظهر إلا ما سيذكر للأصل والعمومات كتابا وسنة والتأسي في قطع الأشجار والحرق وتخريب الديار فقد فعله النبي ص في أهل الطائف وبني النضير على ما ذكره جماعة من الأصحاب وخصوص النص عن مدينة ومدائن الحرب هل يجوز أن يرسل عليهم الماء أو يحرقون بالنار أو يرمون بالمنجنيق حتى يقتلوا وفيهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين والتجار فقال يفعل ذلك ولا يمسك عنهم لهؤلاء ولا دية عليهم ولا كفارة وقصور السند أو ضعفه مجبور بالأصل والعمل وبذلك يترجح على الأخبار الناهية عن بعض هذه الجملة مع قصور أسانيدها جملة وإن اعتبر بعضها كالحسن لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقددوا ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها ونحوه الخبر الآخر لا تقددوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولا مبتلا في شاهق ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة بثمرة ولا تحرقوا زرعا لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه ولا يعرقبوا من البهائم ما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من أكله الخبر فينبغي حملها على الكراهة وإن أمكن الجمع بينهما بحمل الرواية بالجواز على حال الضرورة وهذه على حالة الاختيار كما هو ظاهر الحسنة والأصل يقتضي المصير إلى هذا الجمع لاعتبار الحسن بإبراهيم بن هاشم والوشاء بل صحتهما كما هو التحقيق فينبغي الرجوع إلى تقييد لاحقه وسابقة مع قصور إطلاقه بوروده في مقام جواب السؤال عن جواب القتل بما فيه من حجية الخوف على من فيه لا جوازه به من جهته وربما أشعر بذلك عبارة النهاية حيث قال بعد الحكم بجواز قتال الكفار بسائر أنواع القتل وأسبابه إلا السم ومتى استعصى على المسلمين موضع منهم كان لهم أن يرموهم بالمجانيق والنيران وغير ذلك مما يكون فيه فتح لاشتراطه الاستعصاء في ذلك ولكن ظاهر الأصحاب الجواز مطلقا حتى أنهم لم ينقلوا فيه خلافا منا فهذا أقوى وإن كان مراعاة التقييد أولى ولذا يكره في حال الاختيار بإلقاء النار وقطع الأشجار والتغريق بالماء ونحوه منعه عنهم لما في الدروس عن علي ع لا يحل منع الماء قال ويحمل على حالة الاختيار وإلا جاز وظاهره التحريم به اختيارا عملا بالرواية لكنها لنا مرسلة لا تصلح لتخصيص ما قدمناه من الأدلة نعم لا بأس بالكراهة [ يحرم المحاربة بإلقاء سم ] ويحرم المحاربة بإلقاء سم وفاقا للنهاية والغنية والدروس والسرائر قال وبه نطقت الأخبار عن الأئمة الأطهار ع ولم نقف إلا على رواية السكوني القوية به وبصاحبه وفيها أن النبي ص نهى أن يلقى بالسم في بلاد المشركين وهي كما ترى قاصرة السند ولذا قيل إنه يكره والقائل الشيخ في المبسوط عازيا له إلى رواية الأصحاب مؤذنا باتفاقهم عليها ولعله الأقوى وفاقا له ولأكثر المتأخرين بل عامتهم عدا من مضى حتى الشهيد في اللمعة لأدلة الجواز أصلا ونصا كتابا وسنة السليمة عما يصلح للمعارضة سوى الرواية المانعة وهي لما عرفت قاصرة السند وإن تأيدت بالقوة وبالرواية المرسلة في السرائر لمعارضتها برواية الأصحاب المنقولة في المبسوط كما عرفت مع أنها غير صريحة قابلة للحمل على الكراهة مع أنها لو أبقيت على ظاهرها من التحريم كانت شاذة لرجوع الشيخ في المبسوط عما ذكره في النهاية [ لو تترسوا بالصبيان والمجانين والنساء ] ولو تترسوا بالصبيان والمجانين والنساء والحرب قائمة ولا يمكن الفتح إلا بقتلهم جاز بشرط أن لا يقصدوهم بل من خلقهم من المشركين ولا يكف عنهم لأجل الترس بغير خلاف ظاهر للنص المتقدم في جواز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح وإطلاقه كالعبارة ونحوها من عبائر الجماعة يعم ما لو لم تكن الحرب قائمة كأن كانوا في حصن يتحصن أو كانوا من وراء خندق كافين عن القتال